الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة بقلم الدكتور أحمد المناعي: صباح القلال ….كما عرفتها

نشر في  02 سبتمبر 2022  (21:23)

بقلم: رئيس المعهد التونسي للعلاقات الدولية الدكتور أحمد المناعي

 صباح القلال وجرجيت عطية وأول اعتداء علي في باريس

في أواخر شهر أكتوبر 1992 دعاني « كلود أنجلي » رئيس تحرير « الكنار انشيني » لزيارته في مكتبه. رحب بي وسألني عن الأوضاع في تونس وتحول للحديث عن رجاء فرحات الذي لم أكن أعرفه ولكن سمعت به بينما هو يعرفه جيدا. قال لي أن والده مات تحت

التعذيب ….

 ثم تحول للحديث عن قضية المنصف بن علي والتهم الموجهة إليه من قبل القضاء الفرنسي في قضية المخدرات، وبينما نحن كدلك جاءته مكالمة هاتفية من تونسي يروي له اعتقال أخته في تونس. لم يكن التونسي يتقن الفرنسية فناولني السماعة وتحادثت معه بالعربية.

كان يتكلم بلهجة غاضبة فيها سب وشتم فطلبت منه أن يهدأ أفضل من أن يلحق بأخته فرد علي بأنه يتكلم من وزارة الداخلية من تونس… وطبعا كان يكذب. فهمت أنه كان في باريس …. فتواعدنا على اللقاء،

وملخص القضية أن أخته واسمها صباح القلال وهي امرأة ناشطة في التجارة والصناعة قد سجنت بمكيدة من قبل ليلى بن علي. يبدو أنها انتقدت لباس ليلى عند حلاقة التي أوشت بها وكانت الكارثة.  وما زاد أمرها تعقيدا أن الأمن قد اكتشف عندها نسخة من مقال « الكنار أنشيني » عن قضية المنصف بن علي في باريس وأنها قريبة من دائرة كمال لطيف.

 ومعلوم أن كمال لطيف الدي كان قريبا جدا من الرئيس بن علي قد عرف في ذلك الصيف نكبة شبيهة بنكبة البرامكة.

حكم على صباح القلال بحكم قاس وأودعت سجن النساء…

الصديقة جرجيت عطية

ومن حسن حظها أن لها صديقة اسمها « جورجيت عطية » وهي ناشرة سورية ولكنها بالخصوص بنت جنرال في جيش التحرير الفلسطيني. وما كان من جورجيت إلا التوسل لدى ياسرعرفات للتدخل لدى الرئيس بن علي وهو ما فعله وأطلق سراح صباح القلال.

 وفي شهر فيفري 1996 زارتني صباح وصديقتها السورية في باريس.

كنا في مقهى بساحة « الصوربون » وكانت صباح تروي لي قصتها وظروف سجنها وكل المساعي التي بذلت لأطلاق سراحها إلى أن ذكرت لي أن محلات كمال لطيف قد تعرضت لحريق هائل أتى على كل شيء فيها. كان الحريق في شهر رمضان على ما يبدو.

لم أكن على علم بذلك فلم تتناول الخبر أية وسيلة إعلامية ولا خرجت اشاعات عن دلك.

كان من الصعب نشر الخبر في الصحافة الفرنسية لقدمه فأسرعت بتحرير نص عن الحادث بعثت به لجماعة النهضة في لندن لتتصرف مع الصحافة العربية هناك.

وفعلا نشرالخبرعلى صفحات جريدة الحياة وذكر فيه اسم أحمد المناعي كمصدر للخبر وهو ما لم أعره أهمية في الأول.

الواقعة

يوم 29 فيفري 1996 كان يوم جمعة وكنت راجعا إلى بيتي في الضاحية الباريسية ويداي مثقلتان بقضية الأسبوع.

 وعلى عشرة أمتار من باب عمارتي وقعت الواقعة: ثلاثة تونسيين ينفذون في أوامر رئاسية…(الثالث بقي في الحراسة في السيارة)

كثيرا ما تساءلت لماذا ذكر الصحفي الذي نشر الخبر -أحمد المناعي- ولم أكن مصدره وهو أمر غريب جدا فالصحافي لا يذكر مصدره عموما. ربما لاعطاء مصداقية للخبر فقد كنت أتمتع بكثير من المصداقية في الأوساط الإعلامية.. وقد يكون لغايات خبيثة للنهضاوي الذي تعامل معه؟

 في الأسبوع التالي ذكرت صحيفة « الكنار أنشيني » أن الأوامر صدرت من قصر قرطاج وأعلمني السيد أحمد بن صالح أن الاعتداء جاء ردة فعل النظام على إفشائي الخبر….

وبعد سنوات جاءني اسم الجاني: انه مدير الأمن الرئاسي…عبد الرحمان بالحاج علي. فهو الذي أعطى الأوامر للاعتداء علي في فيفري ستة وتسعين وكذلك الاعتداء على منذر صفر بعد شهر ومرة أخرى على أحمد المناعي في مارس سبعة وتسعين

وفي جويلية سنة 2001 جاءني الشاب القلال الذي كلم كلود أنجلي وكلمني قبل عشر سنوات يبلغني اعتذار موظف السفارة الذي رتب الاعتداءات الثلاثة. قال لي أنه طلب منه ابلاغي اعتذاره قبل أيام من وفاته في حادث سيارة. وقد علمت بحادثه في نفس الليلة وسامحته عندما علمت أنه توفي. وقيل لي أنه ربح قطعة أرض في المرناق مقابل جرمه.

عودة الى صباح القلال

بقيت صباح القلال على اتصال بي طيلة عقد الألفين وكلما تأتي الى باريس تزورني. كانت تتخذ اجراءات جنونية في كل اتصال بي فكانت تعطيني موعدا في احدى محطات القطار في الضاحية البعيدة. وعندما ألتقيها لا أكاد أتعرف عليها لشدة تنكرها.

لقد كانت امرأة شجاعة حقا ولا حاجة لذكر كل ما عانته في السجن من اهانات  وما عانته كل صديقاتها وأفراد عائلتها …رحمها الله رحمة واسعة.